محمد بن جرير الطبري
175
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فأما قوله : " فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها " ، فإنه يعني : فلنصرفنَّك عن بيت المقدس ، إلى قبلة " ترضاها " : تَهواها وتُحبها . ( 1 ) * * * وأما قوله : " فوَلِّ وجهك " ، يعني : اصرف وجهك وَحوِّله . * * * وقوله : " شَطرَ المسجد الحَرَام " ، يعني : ب " الشطر " ، النحوَ والقصدَ والتّلقاء ، كما قال الهذلي : ( 2 ) إنَّ العَسِيرَ بهَا دَاء مُخَامِرُهَا . . . فَشَطْرَهَا نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ ( 3 ) يعني بقوله : " شَطْرَها " ، نحوها . وكما قال ابن أحمر : تَعْدُو بِنَا شَطْر جَمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ ، . . . قَدْ كَارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الحَقَبَا ( 4 ) * * *
--> ( 1 ) انظر معاني " ولى " فيما سلف 2 : 162 ، 535 ، وهذا الجزء 3 : 131 . ( 2 ) هو قيس بن العيزارة الهذلي . والعيزارة أمه ، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل . ( 3 ) ديوانه في أشعار الهذليين للسكري : 261 ( أوربة ) ، ورسالة الشافعي : 35 ، 487 ، وسيرة ابن هشام 2 : 200 ، والكامل 1 : 12 ، 2 : 3 ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 ، واللسان ( شطر ) ( حسر ) ، وغيرها . ورواية الشافعي في الرسالة : " إن العسيب " بالباء في آخره ، ورواية ديوانه وابن هشام : " إن النعوس " . والعسير : التي تعسر بذنبها إذا حملت ، من شراستها . والنعوس : التي تغمض عينيها عند الحلب . والعسيب : جريد النخل إذا كشط عنه خوصه . وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة ، وإنما هو اسم ناقته . وكلها صالح أن يكون اسما للناقة . وقد قال ابن هشام : " النعوس : ناقته ، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير ، من قوله : " وهو حسير " . ويروى : " داء يخامرها فنحوها . . . " ، ورواية ديوانه " مخزور " . ومحسور ، هو الحسير : الذي قد أعيى وكل . ومخزور : من قولهم : " خزر بصره " : إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه . وهو يصف ناقته ، ويذكر حزنه وحبه لها ، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها ، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل . ( 4 ) سيرة ابن هشام 2 : 199 ، والروض الأنف 2 : 38 ، والخزانة 3 : 38 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 . وفي المطبوعة : " من إنفادها " ، وهو خطأ . وقال : قبله : أَنْشَأتُ أَسْأَلُه عَنْ حَالِ رُفْقَتِهِ . . . فقال : حَيَّ ، فَإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا حي : اعجل . ونصب : جد في السير : وقوله : " جمع " ، هي مزدلفة ، يريد الحج . وقوله : عاقدة ، أي : قد عطفت ذنبها بين فخذيها . وقوله : كارب ، أي أوشك وكاد وقارب ودنا . وأوفدت الناقة إيفادًا : أسرعت . والحقب : الحزام يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير . يقول : قد أسرعوا إسراعًا إلى مزدلفة ، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب . والناقة تسد فرجها بذنبها في إسراعها ، يقول المخبل السعدي : وإذَ رَفَعْتُ السَّوْطَ ، أفْزَعَهَا . . . تَحْتَ الضُّلُوعِ مُرَوِّعٌ شَهْمُ وتَسُدُّ حَاذَيْهَا بِذِي خُصَلٍ . . . عُقِمَتْ فناعَمَ ، نَبْتَهُ العُقْمُ ويقول المثقب العبدي ، يصف ناقته مسرعة : تَسُدُّ بِدَائِمِ الخَطَرَانِ جَثْلٍ . . . خَوايَةَ فَرْجِ مِقْلاَتٍ دَهِينِ